نُشر هذا النص بتاريخه الأصلي الموافق 2019/8/1 على منصة فاصلة.
كان يوم الأربعاء هو المفضل بالنسبة لي لسنواتٍ عديدة، أكثر حتى من الخميس المحبوب المبشر بنهاية أسبوع مملوءة باللعب والمرح والزيارات المتكررة لبيت جدي بعد أيام متواصلة من الدراسة؛ كان سر هذا الأمر يكمن في تلك الرحلة القصيرة التي يقطعها بي والدي بين مكتبات شارع ميزران الصغيرة العتيقة بعد الدوام المدرسي لاقتناء نسختي الأسبوعية من مجلة ماجد. لا تغيب عن ذاكرتي توبيخاته بألا أباشر القراءة في السيارة وأن أنتظر حتى الوصول إلى المنزل كي لا أصاب بالدوار، وكنت أرضخ لتعليماته بتثاقل وأنا أحترق شوقًا من الداخل لاكتشاف الصفحة التي يختبئ فيها “فضولي” في هذا العدد، ولِقراءة مغامرات "كسلان”، و”حنتوفة”، و”فريق البحث الجنائي”، و”قمر ولؤلؤة ونجمة” في مدرسة البنات، ولِتجربة طبق “كراملة” الجديد، ولإضافة ملحق “دائرة معارف ماجد” إلى مجموعتي التي أحتفظ بها وأخاف عليها أكثر من أي شيء آخر، إلا أن أكثر ما كنت أنتظره بفارغ الصبر كلّ عددٍ هو إن كان اسمي قد نُشر في قائمة “بين ماجد وأصدقائه”، فكما ترى كانت هذه علامة النجومية والشهرة في طفولتي، أن ترى اسمك بين طيات أعرق وأسمى المجلات العربية التي قد طُبعت يومًا والتي قد جاوزت إصداراتها اليوم ألفي إصدار!
لقد كبرتُ مع هذه المجلة الغنية عن التعريف، وتعلمتُ منها ما لم تعلمه لي المدرسة؛ فهي كالموسوعة الجامعة بين العلم والأدب والتسالي والفنون التي ساهمت في بناء شخصيتي وصقلها تدريجيًا، وهي أحد أسباب شغفي بالحكايا والسرد القصصي، فكثيرًا ما حاولتُ محاكاة فكرة المجلة بحد ذاتها في صغري، فكنتُ أصنع بالورق المقوّى والألوان شيئًا ما يشبه المجلد أملؤه بالمعلومات والقصص التي أختلق بعضها وأنسخ الآخر من ماجد لأوزّعها على زملائي، ولهذا بإمكاني الجزم أن هذه المجلة قد خَلقت بداخلي روح القارئة والكاتبة منذ الصغر، وهي المفضلة دومًا، المفضلة على الإطلاق. إلا أن قراءتي للمجلات بصفة عامة بدأ يقل تدريجيًّا مع مرور السنين؛ ربما بسبب تحوّر اهتمامات الفرد واختلاف توجهاته مع الكبر في السن، أو ربما بسبب سطوة التكنولوجيا على تفاصيل حياتنا التي زادت أكثر خلال العقد الأخير، مما جعل انتباهي يتجه لأشياء أخرى ويكتفي بالاطلاع على المجلات الإلكترونية فحسب، لا أدري ما هو السبب تمامًا؛ ولكني نسيت ماجد، وانقطعتُ عن رحلة الأربعاء إلى المكتبة.
ما حدث أنه في يوم ما قبل بضعة أسابيع، كنت جالسة في صالة بيت جدي الكبير أتصفح في هاتفي وأطفال الأُسرة جالسون قُبالتي يُشاهدون التلفاز، لم أعِر ما يشاهدونه اهتمامًا؛ بل ظللت منسجمة بهاتفي حتى باغتتني كلمات منبعثة من التلفاز، التقطتها أذناي فسَرتْ فيَّ قشعريرة بسبب طوفان الذكريات الذي هاج وانفلت في داخلي فجأة، صدح صوت في التلفاز يقول: “لدي فكرة!”، وبعدها بثوانٍ: “تشاهدون اليوم أمونة المزيونة” و”كسلان”! وجّهت بصري إلى التلفاز لأتفاجأ بشخصيات مجلة ماجد – أصدقاء طفولتي المفضلين – يتحرّكون على شاشة التلفاز، وشعار القناة هو شعار مجلتي المفضلة! أسرعتُ حينها لهاتفي، وتطلّب مني الأمر بضع دقائق فقط على الشبكة العنكبوتية لأبحث خلالها عن قناة ماجد وآخر أخبار المجلة التي ظننت أنها انقطعت وتوقف إصدارها، وتفاجأت أن الحقيقة مغايرة تمامًا، فعلى عكس ما ظننت، مازالت مجلة ماجد تصدر كل أربعاء حتى اليوم، وفاق عدد إصداراتها ألفي عدد؛ بل وقد تحولت إلى قناة تلفزيونية وتطور موقعها الإلكتروني ليواكب تطور التكنولوجيا اليوم، فالعمل يجري الآن لتوفير نسخ إلكترونية لإصدارات المجلة وتدشين تطبيق إلكتروني خاص بها؛ لأن رسالة مجلة ماجد هي أن لا حدود للإبداع والمطالعة ونشر الثقافة، لا قيود زمنية أو مكانية.
انطلقت ماجد في نهاية السبعينيات، وحافظتْ على شغف العمل والإبداع اللامتناهي على مدار أربعة عقود. استمرار نفس جودة العمل وعلى نفس وتيرة الشغف حتى آخر إصدار هو دليل على نجاح المجلة واستحقاقها لكل السمعة والألقاب والجوائز التي اكتسبتها؛ لأن النجاح الحقيقي يكمن في استمرارية الابتكار بنفس الجودة، والتغيير نحو الأفضل والأفضل فقط.
أخيرًا، لستُ ممن يعادون القراءة الإلكترونية أو التكنولوجيا كفكرة وكأثر على حياتنا بكامل تفاصيلها طالما كان الوعي والاتزان حاضرًا، وشخصيًا أرى أن فكرة ماجد الإلكترونية ممتازة بل وضرورية؛ لأن المواكبة من دعامات استمرار النجاح، كما أن توفير بيئة صحية آمنة تدعم العلم والثقافة والفن للأطفال من خلال القناة التلفزيونية هو أمر يبعث على السرور والفخر، خصيصًا في ظل الأزمة الثقافية وشُح المحتوى الهادف مما يضر بأطفال اليوم. روح الإصرار وشغف التطور اللذان انعكسا في قصة نجاح مجلة ماجد، بالإضافة لكل هذه الذكريات التي استحضرتني فجأة، تخلق فيَّ الرغبة العارمة لزيارة شارع ميزران ومكتباته، يوم الأربعاء بالطبع، واقتناء نسخة ملموسة من مجلة ماجد - مجلة كل الأولاد وكل البنات - أتحسسها بأناملي وأقرؤها بكل شغف ودهشة وتشويق، تمامًا مثل ذي قبل.



