قبل أن يغفو النرجس، وقبل أن تفقد صوابك هذا الربيع
١٠ نشاطات اقتصادية يمكنك تجربتها ليزهر الربيع في قلبك قبل يومك
الحديث عن الربيع في بلاد العرب يشوبه شيء من الإحراج لأنه في غالب الوقت عبارة عن نسخة تجريبية لصيف حار لافح، ولكن للمناطق الساحلية بعض الاستثناءات في هذا الموسم وبالأخص تلك التي تطل على البحر الأبيض المتوسط.
أكاد أجزم أنه من علامات نضج المرء وحضوره في دنياه أن يلقى هذا الربيع الخجول فعلًا، ويتعرف عليه ويفرح بنسماته، ولا يقارن درجات حرارته العشرينية بأربعينيات الصيف، فقط لأنه كائن مجبول على المبالغة والنسيان والتذمر.
عن نفسي، وجدتني هذا العام مرحبة ومستمتعة بالأيام التي لا تشوبها الأتربة ولا الحساسية، وأظن أن انقطاعي عن المدونة لثلاثة أشهر قد يكون دليلًا على صدق انشغالي في زحمة الأيام ومع المنتزهات والفراولة والنرجسات التي تُزهر سريعًا ومرة واحدة فقط في العام وسرعان ما ترجع لتغفو تحت الأرض بخفة يعقبها حسرة إن لم تجبر نفسك على تقديرها حين وجودها والتغزل بها.
من الجميل أن الأشهر القمرية لهذا العام أقبلت مواءمة للمشاعر التي تصاحب الأشهر الميلادية عامةً، فمع مطلع العام الجديد كنا نجهز أنفسنا روحانيًا ونفسيًا لرمضان - أهم محطات السنة - بغرس البذور في رجب، ومع فبراير (شعبان) أصبحنا نسقيها باستمرار حتى جاء رمضان وزاراتنا لياليه الوترية العظيمة مع إشراقة مبسم الربيع، وكان طقس العيد أجمل ما يكون!
أؤمن أن التخطيط السنوي حسب الأشهر الهجرية ومواسم الطاعات يعين الروح على تبصر مواطن السكينة في عالم لا يهدأ، فيه البأس أصل كما العافية، والعيش فيه قد يكون في عدة أوقات، اختلاس.
ومع ذلك، في تقلب هذه الأشهر درسٌ أن أيها الإنسان، لا تعتد! ولا تستكن، ولا تظن أن غراسك سيُحصد كما تتمنى، فقط لأنك هيأت لنفسك الأسباب. ليس كل من زرع حصد، على الأقل الحصاد بمعناه حسب مقاييس الدنيا، وليست كل حكمةٍ سهلةَ الإدراك، وليس في كل موقفٍ درسٌ من عالمٍ غيبي يطلعك أسرارًا تقرّ بها نفسك، بل الواقع أنه في كثيرٍ من الأحيان يبدو فشلنا غبيًا، وتبدو الأقدار فعلًا باعثةً للسخرية، لولا الإيمان الذي يدافعها.
وأقول هذا لأنني، بعد أن تواءمت الأقمار والنجوم في تناغم، وهيأت لنفسي كل أسباب النجاح في رمضان، خرجت منه منقطعةَ النفس، مرهقةَ القلب، وصعبانٌ عليّ حالي، لأنني لم أجد السكينة التي تعبت لأجلها، بل توالت في وجهي ووجوهنا جميعًا كل الشرور والفتن التي لا يحتمل العقل أن يلقاها في رمضان، ويعني بصراحة، يتمنى لو يمكن أن يغضّ بصره عنها لحين يبلع السمبوسة اللعينة دون قلقٍ يعصر قلبه ويؤنب ضميره.
منذ عام 2020 تقريبًا، كما يقول كثيرون مازحين، مررنا جميعًا بدرجة ما بانتقال من نعيم الجهل إلى لعنة الوعي، والعبارة رغم طابعها الساخر تحمل قدرًا من الحقيقة. لأن اكتساب الوعي، سواء بالذات أو بالعالم، غالبًا ما يكون عملية تعرية، فجأة تبدأ ترى التناقضات والهشاشة والأوهام الصغيرة التي كنا نلبسها الواقع كي يصبح أكثر احتمالًا. ولهذا يشتاق بعضنا أحيانًا إلى ذلك النعيم القديم، ليس لأن الحياة كانت أقل تعقيدًا بل لأننا كنا أقل إدراكًا لتعقيدها وربما أيضًا لأن بعض رفاهيتنا كانت قائمة—من حيث لا نشعر—على جهلنا بمعاناة أماكن أخرى أو أشخاص آخرين.
مع توالي الأزمات في العالم والسرعة التي تتلاحق بها الأحداث، يصبح هذا الوعي أثقل، تكاد لا توجد مسافة بين خبر وآخر، بين أزمة وأخرى. ومع انكشاف وجوه كثيرة من الفساد في المنظومات الاقتصادية والسياسية التي حكمت العالم طويلًا، يصبح من الصعب الحفاظ على المسافة النفسية التي كنا نعيش بها من قبل.
وبالنسبة للبلدان التي تأثرت بالربيع العربي، والتي سيادتها وتوازنها تأثر بأي تغيير يحدث في العالم، يصبح الأمر أكثر وضوحًا؛ أي تغير بعيد ظاهريًا يمكن أن يترجم بسرعة إلى تفاصيل قريبة جدًا، في الرزق، في الاستقرار، وحتى في ذلك القلق الصغير الذي يجد طريقه في النهاية إلى بيوتنا.
لهذا دخلت رمضان هذا العام بقلب مثقل أصلًا، كنت أطمع فقط في قدر من السكينة، ليس بالضرورة مصاحبة للديكوريشن أو الأجواء المألوفة أو اللمات، بل لتلك اللحظات التي كان فيها جزء من الهدوء والراحة القديمة، وللمساحة التي يخلقها الشهر لنفس عميق وبعض من الاسترخاء.
ولكن مع منتصف الشهر، أصبح جليًا وظاهرًا أن السكينة بتعريفها القديم ستكون بعيدة المنال عنّي، لأسابيع طويلة في شعبان كنت أحضر نفسي للدعاء ولاسترداد يقيني المهتز، الذي يخشى خيبة الأمل رغم معرفتي أن الاستجابة أحيانًا تأتي في شكل منع أو تأجيل. وما قد بدأت باستشعار ملامح الفرج حتى استيقظنا جميعًا على شاشة الجزيرة مقسومة إلى ستة أجزاء، كل جزء يحمل خبرًا عاجلًا، وهناك نكتة متداولة تقول إن انقسام الشاشة إلى هذا العدد من الأخبار يعني ببساطة أن الأزمة ستشدد لوقت غير معلوم قبل أن تنفرج.
تقبّلتُ الدروس على مضض، وفرحتُ بشوّال، وها أنا ذا أجهّز الحمولة لأيامٍ عشرٍ مباركاتٍ ويومٍ عظيمٍ يُباهي اللهُ بنا فيه الملائكة، ولكي أطمئن أن الربيع قد ازهر فعلًا في قلبي قبل أن يرحل، عقدتُ العزم على تجربة فعلٍ واحدٍ صغيرٍ كل يوم، حتى لا أفقد صوابي مجددًا كما حدث في رمضان.
ودعني الآن أشاركك قائمتي لبهجات الربيع الاقتصادية، لعلك تجرّبها قبل أن يغفو النرجس:
لأنه موسم الفراولة، احرص على تجربة حلويات وكيكات مختلفة بالفراولة والكريم، واحشُها بالمربّى منزلي الصنع! (كيكة فيكتوريا هي المفضلة بالنسبة لي)
جرّب وصفةً جديدةً من حينٍ لآخر، عن نفسي استمتعتُ بتحضير خبز البيغلز وخطواته الغريبة، أعجبتني قرمشته بالذات مع حشوة التونة والمايونيز المتبّل والخيار المخلّل والشبت وبعضٍ من الهريسة المنزلية لنكهة مغاربية.
لو كنت من محبي الماتشا، جرّب أن تستمتع بخطواتها التقليدية في البيت، واصنع منكّهك الخاص دون مواد حافظة، المفضل بالنسبة لي هو صوص الموز المكرمل مع السكر البني والقرفة والفانيليا
.
جرّب مطاعم جديدة مع أصدقائك، دلّع نفسك بإكسترا كالوريز ومثلجات لأنك ستحرقها على أية حال، فالطقس ليلًا هو أنسب ما يكون للمشي لفترة طويلة على الكورنيش أو في المنتزه!
جرّب هوايات جديدة، واسمح لنفسك أن تكون فاشلًا بها، استمتع بها لغرض الاستمتاع فحسب (يمكنك الضحك على محاولتي في رسم بطة بالألوان المائية، ولكنك لن تسرق مني بهجتها!)
تفاعل مع النباتات، استنشق رائحة الفل والياسمين بحضورٍ وبطء، العالم ماشي في ستين داهية على كل حال، واستثمر في شجرة ورد حتى تؤنس ربيعك بعد حين.
امضِ وقتًا أطول مع أحبابك من عائلتك بالدم أو عائلتك بالاختيار، اللقاءات البشرية قد تكون متعبة أحيانًا، ولكن كما يقولون: The cost of community is some inconvenience
جرّب التدوين، وبالأخص Junk Journaling، فهو يساعدك على تقوية انتباهك للتفاصيل واستعمال البواقي والعشوائيات في توثيق ذكرى وشعور خالد، ولا تنسَ أن تلعن الرأسمالية لأنها تبيع لك الهواية البسيطة بضرائب وبشعور ملازم بالنقص، وفي هذا الربيع لن تُلدغ من هذا الجحر مجددًا
.
وأخيرًا، جرّب الانقطاع لبعض الوقت عن مواقع التواصل الاجتماعي، واستبدل المحتوى القصير بمحتوى أطول وأكثر عمقًا؛ كقراءة رواية، أو مشاهدة ماراثون من المسلسلات السورية القديمة (عن نفسي، شارة الفصول الأربعة هي خلفية مسلسل حياتي). كما يمكنك أن تعود إلى قائمة الأعمال التي حفظتها سابقًا من مسلسلات ومسرحيات لم تأخذ حقها من الشهرة، وتمنحها فرصة حقيقية للمشاهدة بدلًا من تأجيلها باستمرار. فنحن نضغط زر “الحفظ” لكل ما يعجبنا، لكن متى سنمنح أنفسنا الوقت لنجرّب ونشاهد فعلًا؟
والآن سأكرمكم كما ينبغي لقرائتكم لكامل النص بوصفة كوكيز ناجحة ومجربة 🍪
هذه لك، ما النشاط الذي ستقترحه عليّ؟








ما هذا الجمال يا أميمة؟ 🤍🤍🤍🤍🤍🤍 نص ربيعي بجدارة! 🌺
ياربي قداش نحب نقرالك يا أميمة 😩 بدييييعة زي الربيع 🩷